الشيخ :
الأصل في هذه المسألة هو سوء التربية ، ومن أسباب سوء التربية فساد المجتمع
، وفساد المناهج التي يُقام على أساسها تدريس الرجال والنساء ، أو الشبّان
والشابات ، ذلك لأن الطالبات في المدارس أنا على مثل اليقين أنهن لا يسمعن
مثل قوله عليه السلام: ((لعن الله الرَجُلة من النساء)) ، وكذلك الحديث
الآخر الذي يرويه عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء
بالرجال" في اعتقادي أن الطالبات اللاتي يتخرجن من المدارس الثانوية أو مما
فوقها ، لم يطرق سمعهن مثل هذا الحديث أو ذاك - الحديث الأول - ولئن طرق
شيء منهما مسامعهن يومًا ما ، فذلك مما يدخل من أذنٍ ويخرج من الأذن الأخرى
، لأن المناهج التي تدرّس - أو تُلقى الدروس على أساسها - لا تسمح
للمدرّسة - حتى ولو كانت متدينة - أن تتوسع في مثل هذا الموضوع .
ومعلوم في الشرع وعند أهل العلم به ، أن الأصل في الرجل أن يخرج من داره
ليعمل لصالح أهله وذويه ، وعلى العكس من ذلك ، فالأصل للمرأة أن تظّل في
بيتها ، وألاّ تخرج عنه ، عملاً بقول ربها - تبارك وتعالى – ((وقرن في
بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)) فلما صارت المرأة كالرجل ، تخرج
صباحًا ، وتعود مساءًا ، صارت في ذلك متشبهة بالرجل من حيث تدرى أو لا تدرى
، من حيث تشعر أو لا تشعر .
ولذلك فنحن لم نعد في هذه الأزمنة
المتأخرة نرى الفتاة العذراء التي تخجل أن يقع بصرها على رجل ، بل هي - من
شدة حيائها - ترمي ببصرها إلى الأرض لترى خطواتها وهى تمشي ، لم نعد نرى
هذه الفتاة التي كان أمثالها معروفًا حتى في عهد الجاهلية فضلاً عن عهد
الإسلام الأول الأنور الأطهر ، من أجل ذلك جاء في الصحيح في شمائل النبي
صلى الله عليه وآله وسلم: "أنه كان أشد حياءًا من البكر في خِدرها" هذه
البكر التي شُبه سيد البشر عليه الصلاة والسلام في حيائه بها ، لم نعد نسمع
بها في زمننا هذا ، ذلك لأنه غلب على النساء التشبه بالرجال ، ولا شك أن
لهذا أسبابًا كثيرة ، من أهمها - ابتداءًا - سيطرة الحكام الكفار على كثير
من البلاد الإسلامية ، فنشروا فيها عاداتهم ، وتقاليدهم ، وأذواقهم ،
وأخلاقهم المنحرفة عن الفطرة السليمة ، فورثها جيل من الناس ، وتلقاها
أساتذة موجهون - زعموا - وأساتذات ، ونشر هؤلاء جميعًا بين هذا الجيل
الناشيء من فتيان وفتيات ما يسمونه [بالمساواة بين النساء والرجال] ، فكان
هذا من أسباب انتشار قلة الحياء في النساء ، الذي جعل الكثيرات منهن
مترجلات .ومما لا شك فيه أن ترجل المرأة يجعلها تعتد بشخصيتها أمام زوجها ،
وقد تعلو عليه بصوتها ، وربما تذله أمام بعض أقاربه وأقاربها ، استعلاءًا
منها على زوجها .
أين هذا مما جاء في وصية الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم الرجال بالنساء ؟ وعلل ذلك بقوله عليه السلام .. بعلة تنافى تمامًا
هذه التربية التي نراها في العصر الحاضر ، ألا وهو قوله عليه السلام
((استوصوا بالنساء خيرًا ، فإنهن عوانٍ عندكم)) الشاهد أن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم لما أمر بالاستيصاء بالنساء خيرًا في هذا الحديث ، علل ذلك
عليه السلام بقوله ((فإنهن عوانٍ عندكم)) أي: إنهن كالأسارى ، الأسير لا
يستطيع أن يعمل شيئًا مع سيده ، كذلك المرأة المسلمة ، المتخلقة بأخلاق
الإسلام الصحيحة ، هي أمام زوجها كالأسير .
ولذلك خشي عليه السلام على
الرجال أن يستغلوا هذا الوصف اللائق بالنساء ، فيستعلون عليهن، ويتجبرون
عليهن ، ويظلمونهن ، ولذلك أمر بالاستيصاء بالنساء خيرًا ، وعلل بهذه العلة
.. ألا وهى قوله عليه السلام ((فإنهن عوانٍ عندكم)) .
أصبحت النساء
اليوم لسن بحاجه إلى توصية الرجال بهن ، بل انقلبت الآية ، فأصبحت النساء
بحاجة إلى أن يوصين بالرجال خيرًا لأنهن أصبحن مستقلاتٍ في أعمالهن ، في
تصرفاتهن ، وكثيرًا ما نسمع من بعضهن: أنه ما فيه فرق بيني وبين زوجي ، فهو
زوج وأنا زوجة ! وهو شريك وأنا شريك معه في الحياة !
فعلى المسلمات
المتمسكات بدينهن إذا كنّ قد ابتلين بشيء من المخالطة لهذا المجتمع ، أن
يحاولن أن ينجون بأنفسهن من أن تتأثرن بشيء من هذا الانجراف الذي وقعت فيه
كثيرات من النساء ، بسبب ما ذكرناه من فساد التربية ، وفساد المجتمع ، وهذه
ذكرى ، والذكرى تنفع المؤمنين ، والسلام عليكم.